عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
212
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
ويقابل الثعلب بالقوى الماكرة ، ويقابل الذئب بالقوى الخادعة ، ويقابل الفرد بالقوى الحاسدة ، ويقابل الفأر بالقوى الحريصة ، وقس على ذلك باقي قواه ؛ ثم إنه يقابل الطير بروحانيته ، ويقابل النار بالمادة الصفراوية ، ويقابل الماء بالمادة البلغمية ، ويقابل الريح بالمادة الدموية ، ويقابل التراب بالمادة السوداوية ، ثم يقابل السبعة الأبحر بريقه ومخاطه وعرقه ونقاء أذنه ودمعه ويوله . والسابع المحيط ، وهو المادة الجارية بين الدم والعرق والجلد ، ومنها تتفرّع تلك الستة ولكل واحد طعم ، فحلو وحامض ، ومرّ وممزوج ، ومالح ونتن وطيب ؛ ثم يقابل الجوهر بهويته وهي ذاته ، ويقابل العرض بوصفه ، ثم يقابل الجمادات بأنيابه ، فإن الناب لا يلتحم ، بشيء ، ثم يقابل النبات بشعره وظفره ، ويقابل الحيوان بشهوانيته ، ويقابل مثله من الآدميين ببشريته وصورته ، ثم يقابل أجناس الناس ، فيقابل الملك بروحه ، ويقابل الوزير بنظره الفكري ، ويقابل القاضي بعلمه المسموع ورأيه المطبوع ، ويقابل الشرطيّ بظنه ، ويقابل الأعوان بعروقه وقواه جميعها ، ويقابل المؤمنين بيقينه ، ويقابل المشركين بشكه وريبه ، فلا يزال يقابل كل حقيقة من حقائق الوجود برقيقة من رقائقه ؛ فقد بيّنا فيما مضى من الأبواب حلق كل ملك مقرّب من كل قوى من الإنسان الكامل ، وبقي أن نتكلم في مقابلة الأسماء والصفات . اعلم أن نسخة الحق تعالى كما أخبر صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال : ( خلق اللّه آدم على صورة الرحمن ) « 1 » وفي حديث آخر ( خلق اللّه آدم على صورته ) « 2 » وذلك أن اللّه تعالى حيّ عليم قادر مريد سميع بصير متكلم ، وكذلك الإنسان حيّ عليم إلخ ، ثم يقابل الهوية بالهوية ، والإنية بالإنية ، والذات بالذات ، والكل بالكل ، والشمول بالشمول ، والخصوص بالخصوص ، وله مقابلة أخرى يقابل الحق بحقائقه الذاتية ، وقد نبهنا عليها في هذا الكتاب في غير موضع ، وأما هنا فلا يجوز لنا أن نترجم عنها ، فيكفي هذا القدر من التنبيه عليها . ثم اعلم أن الإنسان الكامل هو الذي يستحق الأسماء الذاتية والصفات الإلهية استحقاق الأصالة والملك بحكم المقتضى الذاتي ، فإنه المعبر عن حقيقته بتلك العبارات والمشار إلى لطيفته بتلك الإشارات ، ليس لها مستند في الوجود إلا الإنسان
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه .